السيد كمال الحيدري
43
معرفة الله
وبذلك نكون قد عرفنا أنّ المعرفة الإلهية هي الأصل الأصيل المورث للحبّ ، وأنّ الحبّ بدوره يُورث الإخلاص في قلب المحبّ لمحبوبه . فعدم الإخلاص عدم للحبّ ، وعدم الحبّ عدم للمعرفة الإلهية ، بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ « 1 » . حقيقة الإخلاص لا شكّ أنّ لكلّ فعل أخلاقيّ قيمة كامنة فيه ، سواء كان الفعل في دائرة الإيجاب أو في دائرة السلب ، وهذه القيمة الأخلاقية معلولة لأمر آخر غير الفعل نفسه وهو ما يُصطلح عليه بالنيّة ، وهذه النيّة هي موصوف الإخلاص وما يقابله ، أعني الشوب كما سيأتي . وبذا يتّضح لنا السرّ في التفاوت الحاصل في الفعل الأخلاقي خيراً كان أو شرّاً فإنّ مرجع التفاوت هو درجات ومراتب النيّة . وهذا التفاوت في مراتب النيّة مرجعه إلى متعلّق النيّة وهو الكمال المرئيّ لصاحب النيّة والذي تعلّقت به النيّة ، ما يكشف لنا ضمناً أنّ الكمال مع كونه مطلوباً ذاتيّاً للإنسان ، وأنّ الإنسان مفطور على حبّه ، وأنّ هذا الحبّ للكمال يُمثِّل درجة شديدة من وجوده التكويني ، إلّا أنّ مراتب هذا الكمال ومصاديقه ليست واضحة للجميع ، ولذا لزم معرفتها ، والوقوف عندها إمّا بواسطة العقل أو النقل « 2 » ، ولعلّنا نقف عند هذه النكتة في بحث آخر من هذا الكتاب « 3 » . فالنيّة هي المنظور الأوّل في العمل الأخلاقي ، وهي القيمة الفعلية له .
--> ( 1 ) القيامة : 14 . ( 2 ) انظر : كلمة حول فلسفة الأخلاق ، مصدر سابق : ص 30 . ( 3 ) انظر : عنوان ( مراتب الحبّ الإلهي ) من هذا الفصل .